من قارب التأسيس إلى غزو الفضاء.. كوردستان24 تستكشف مئة عام من تاريخ الصين في بكين
أربيل (كوردستان24)- في العاصمة الصينية بكين، وعلى مقربة من المتنزه الأولمبي، يرتفع صرح معماري مهيب يلفت الأنظار بهندسته وفخامته؛ إنه متحف الحزب الشيوعي الصيني الذي زارته «كوردستان 24» للاطلاع عن قرب على تفاصيل هذا المكان الاستثنائي. في باحته الخارجية الفسيحة، تستقبل الزائرين خمس منحوتات برونزية عملاقة تروي ملحمة الكفاح الشعبي، بينما تقف الأعمدة الحجرية الحمراء والبيضاء كشاهد على قرن كامل من التحولات التي شكلت ملامح الصين اليوم.
وهذه المهابة الخارجية ما هي إلا مقدمة لغوصٍ أعمق في ذاكرة البلاد؛فبمجرد عبور البوابات نحو القاعات الأولى، يخيم عبق التاريخ الصامت حيث تُعرض آلاف القطع الأثرية والمخطوطات النادرة المحفوظة بدقة بالغة. تسرد المعروضات قصة تأسيس الحزب عام 1921 على متن زورق صغير في بحيرة "نانخه"، مروراً بظروف "المسيرة الكبرى" القاسية، وصولاً إلى المنصة والميكروفون والسترة الأصلية التي ارتداها "ماو تسي تونغ" عند إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية في ساحة تيانانمين عام 1949، في مشاهد تعيد إحياء لحظات مفصلية غيرت مجرى آسيا والعالم.
غير أن الرحلة داخل هذا الصرح لا تحبس الزائر في أروقة الماضي، إذ سرعان ما ينكسر حاجز الزمن مع التقدم نحو الأجنحة الحديثة، ليتغير المشهد كلياً نحو المستقبل والتكنولوجيا الفائقة. هنا، تتوزع شاشات بانورامية تفاعلية ونماذج بالحجم الطبيعي لأبرز إنجازات الصين المعاصرة: قطارات الرصاصة السريعة، ومحطة الفضاء الصينية، ومركبات استكشاف المريخ، وصولاً إلى مسارات مبادرة "الحزام والطريق". كل زاوية هنا صُممت لتروي كيف تحولت البلاد من مجتمع زراعي منهك إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ووسط هذا الإبهار التقني، لا يكتمل المشهد دون رصد النبض البشري الذي يمنح المكان روحه؛ إذ يلفت النظر خلال التجول تدفق هائل لا يتوقف لآلاف الزوار يومياً؛ من طلاب مدارس وعسكريين، إلى مواطنين من مختلف المقاطعات ووفود أجنبية. يجسد هذا المشهد مفهوم "السياحة الحمراء" في أبهى صوره، حيث لا يُكتفى بعرض المعلومة كوثيقة مجردة، بل يُنقل الزائر عبر مؤثرات بصرية وصوتية متطورة إلى قلب الأحداث ولحظات بناء السدود وتشييد المصانع الكبرى، لترسيخ الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.
ومع اقتراب الجولة من نهايتها والعودة إلى ضوء العاصمة مجدداً، تتجلى الصورة الكبرى بوضوح؛ فساعات من المعايشة الميدانية في هذا الصرح تكشف أن القيادة الصينية لم تؤسس هذا المكان ليكون مجرد أرشيف للذكريات، بل بنته كمنصة بصرية ورسالة واضحة للداخل والخارج مفادها: "من هنا بدأ المسار.. وإلى المستقبل نمضي بثبات".